• 0 Items - € 0.00
    • No products in the cart.

Blog

035

بواسطة: رؤى ياسر

لتعرف أثر فعل، قِس رد الفعل تجاهه، أو كما ينص قانون نيوتن الثالث، لكل فعل رد فعل يساويه في القوة ويعاكسه في الاتجاه، والقوة الناعمة بمفهومها الحديث هي القدرة على التأثير في الآخر فينقاد الآخر لفكرة / معتقد / اتجاه طواعية دون الحاجة إلى استخدام العنف أو الإرغام بصوره المتعددة.

شكلت الثقافة عمومًا والكتابة تحديدًا شكلاً من أشكال القوى الناعمة القادرة على التأثير الجمعي في الشعوب، فكان الاستلاب الثقافي من المستعمر الذي سعى بشتى الوسائل والطرق إلى تشويه ثقافة الشعوب التي استعمرها وطمس هويتها والإمعان في فرض ثقافته الخاصة عليها، وكما ناقش البروفيسور جورج صليبا فالمستعمر سعى إلى خلق ثقافة جديدة تتناسب مع أفكاره وميوله الاستعمارية عبر المستشرقين الذي برعوا في إبراز جوانب التاريخ التي ستسهم في رسم ملامح ثقافية تناسبهم.

الكتابة، والأدب بجميع تجلياته، كانت ولا تزال أداة توثيقية للذاكرة الجمعية للشعوب، الأدب الجيد أشبه بالمتحف للتاريخ البشري، والروائيّ حين يقصّ روايته إنما يقوم بتدوين ثقافة شعبه وتاريخه وحضارته وثوراته وأمجاده وتدهوره وحتى انحطاطه، الروائي يستقصي أثر الأحداث التاريخية على الإنسان، كما في رواية غاتسبي العظيم التي تعد من أهم الوثائق التاريخية التي أرخت لعقد العشرينيات الهادرة “عقد الجاز” في أمريكا وأثر التحول الذي شهدته البلاد على الإنسان ماديًا وأخلاقيًا واجتماعيًا، وكما في رواية الطنطورية لرضوى عاشور التي سردت قصة مجزرة الطنطورة في فلسطين بعينيّ بطلتها، فيشارك القارئ البطلة رحلتها ويعايش مشاعرها أجمع، الأمر الذي تعجز كتب التاريخ عن رصده. أضف إلى ذلك القدرة الهائلة التي يملكها الكاتب / الروائي / الأديب على التأثير، فلا شيء يُؤثر على الإنسان أكثر من قصة إنسان آخر عاش معاناته، الأمر الذي أدركته الكيانات المحتلة في العالم فاستشرت ظاهرة اغتيال الأدباء، فاغتيل غسان كنفاني عن عمر لا يناهز الستة والثلاثين ربيعًا، واغتيل يوسف السباعي ومولود فرعون وناجي العلي وغيرهم الكثير.

إنّ الضراوة التي تُحارب بها الدول العظمى ثقافات بعينيها وسعيها الحثيث إلى فرض ثقافة ممسوخة لا تُعبّر سوى عمّا تُريده هي، هذه الحرب الباردة الشرسة ما هي إلا تأكيد ضمنيّ على قدرة القوى الناعمة على قلب موازيين العالم.

لتسلبَ شعبًا قوته جرده من ثقافته، من حضارته ومن مكتسباته التي تكوّن نسيجه الاجتماعي وذاكرته الجمعية.


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *