• 0 Items -  0.00
    • No products in the cart.

Blog

004

بواسطة: رؤى ياسر

“أنا لا أقرأ زاهدًا عن الحياة… ولكني أقرأ لأنّ حياة واحدة لا تكفيني”.

المقولة السابقة لعبّاس محمود العقاد، تكاد تكون أشهر الاقتباسات المتداولة له، يُلخص العقّاد في مقولته هذه تجربة القراءة بوصفها حياة موازية للحياة التي يعيشها كل فَرد منّا.

في كتابه “كما الأحلام” يتناول كيث أوتلي الكتابة القصصية والخياليّة وأثرها النفسي على أدمغة وعقول القراء، كما يستعرضُ الرواية/القصة كأداة فعّالة لإثراء التجربة الإنسانية للأفراد، يصف كيث أوتلي تفاعلات القارئ مع القصص الخيالية بقوله “ما يحدث عند قراءة قصة خيالية هو أننا ننسحب من عالمنا الحالي، ونوقف عمل أهدافنا وخططنا وتصرفاتنا الخاصة، ليصبح المعالِج جاهزًا لاستقبال أهداف بطل القصة وخططه وأفعاله.. فنشعر في أنفسنا بالمشاعر المرتبطة بالأفعال التي نؤديها داخل عقولنا وكأننا في مكان الشخصية”، وقد عرّف أوتلي هذه العملية بكلمة التماهي، نحن حين نقرأ قصة خيالية تتماهى عقولنا مع شخصيات القصة وانفعالاتها، لنعيش تجربة إنسانية جديدة تحتكمُ بقوانين العالم الذي تنتمي إليه الشخصيات، ولنتعلم – بطبيعة الحال – اختبار مشاعر ومواقف لم نختبرها من قبل، يصف جونثان غوتشل في كتابه “الحيوان الحكاء” القراءة القصصية كساحة تدريبية للبشر، يختبرون عبرها مشاعر إنسانية متنوعة من غضب وحزن وحب وأسى وشوق، يقول جونثان في كتابه “إنّ الأدب يقدم أحاسيس لا يتعيّن علينا دفعُ ثمنها، فهو يسمح لنا بأن نحب وأن نشجب، نصفح ونأمل، نجزع ونكره، دون أي خطر تحمله هذه المشاعر عادة”.

في دراسة أكاديمية منفصلة لكيث أوتلي ووريموند مار عن قراءة الروايات والذكاء العاطفي، يُثبت الباحثان الارتباط الوثيق بين القراءة الروائية وزيادة معدل الذكاء العاطفي للقرّاء، فالقارئ النهم للروايات والقصص – قراءة نوعيّة بالطبع – يمتلك معدلات ذكاء عاطفي أعلى من الأشخاص الذين لا يتعرضون لمثل هذا النوع من الأدب، فالقارئ للروايات والقصص يتعرض بصورة مستمرة لعدد كبير من المشاعر الإنسانية التي تساعده على بناء أنماط للحلول وردود الأفعال ليطبقها في الواقع عند التعرض لمواقف شبيهة للموقف الذي تعرضت له الشخصية، هذه الدراسة دحضت الصورة النمطية المجتمعية للقراء بوصفهم “غير اجتماعيين” أو “شخصيات ذات معدلات ذكاء عاطفي منخفض”.

الأدب الروائي/القصصي الجيد قادر، وبطريقة سحرية، على خلق حَيوات جديدة، وعلى سبر أغوار النفس البشرية لتقديم تجربة إنسانية فريدة وحقيقية يتماهى معها القارئ بصورة تساعده على الارتقاء بذاته وعواطفه وإنسانيته.

وأود أن أختم هذا المقال بتعليق سيجموند فرويد على روايات دوستويفسكي بقوله “كل مرة أنتهي من كتابة حالة نفسية، أجد دوستويفسكي قد كتب عنها في رواياته”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *