• 0 Items -  0.00
    • No products in the cart.

Blog

009

بواسطة: رؤى ياسر

من مِنّا لم تسحره شخصية شارلوك هولمز، البطل ذو الذكاء المتقد النبيه، من مِنّا لم يتمنى أن يُرشّ بغبار الجنيات ويطير إلى نيفرلاند رفقة بيتر بان، من مِنّا لم يسلب لُبّه شعرُ أبطال الملاحم، من مِنّا لم يربط ملاءة على عنقه وهو طفل ليُمثل دور سوبرمان، ومن مِنّا لم يجلس ليستمع إلى “أحجية” فاطمة السمحة بكل حواسه.

الأبطال على امتدادهم في مختلف القصص الأدبية، الروايات، الملاحم الشعرية، الأساطير الشعبية، والأفلام السينمائية يمرون برحلة استثنائية تجعلنا – نحن المتلقون للقصة – نعيشُ تجاربهم بما تحويه من إثارة واختبارات وخذلان وفرح وفشل، يسرد جوزيف كامبل في كتابه البطل بألف وجه رحلة الأبطال في مختلف الأشكال الأدبية بصفتها رحلة استكشاف لعوالم غير اعتيادية يُبعث بعدها البطل بوجه مغاير لوجهه الأول وقد اغتنى بالتجارب والاختبارات التي مرّ بها خلال رحلته، يقول كريستوفر فوغلر في كتابه دليل السيناريست – الذي كتبه استنادًا على كتاب جوزيف كامبل – “بالرغم من التنوّع اللانهائي في أحداث القصة، تبقى قصة رحلة، يغادرُ البطل بيئته الاعتيادية والمريحة ليُغامر في عالم مجهول ومليء بالتحديات… رحلة البطل هي شبكة التطريز الأساسية للقصة، وكل كاتب يُطرز عليها التفاصيل والمغامرات التي يختارها.”

مغامراتنا التي سندرس تطريزها هذه المرة هي مغامرات بطل الأحاجي السودانية، والأحاجي السودانية كما يعرفها البروفيسور عبدالله الطيب هي حكايات الجدات للأطفال، وكان الإرب من هذه الحكايات شخذ الأذهان وإدخال السرور على نفوس الصغار ريثما يغلب عليهم النعاس، وقد تميزت هذه الحكايات بعبارات مسجوعة ذات إيقاع مُحبب إلى السمع.

بتتبع رحلة أبطال الأحاجي السودانية، تُلاحظ بساطة الرحلة من حيث عدد المراحل التي يمر بها البطل، فكثيرًا ما كان البطل يُعرض للاختبار مباشرة، كما في أحجية فاطمة السمحة، التي وجدت نفسها دون سابق إنذار مجبرة على الهرب من أخيها، كما أنّ البطل في الأحاجي السودانية كان نادرًا ما يتلقى النصح والإرشاد من معلم حكيم، فبنت السلطان في أحجية الملك البخيل تضطر إلى مواجهة الأعداء وحدها، ومعلمها الحكيم كان صوت عقلها، ومما تتسم به جميع الأحاجي السودانية – تقريبًا – هو كثرة الاختبارات التي يمر بها البطل قبل وصوله للخلاص الأبدي، وهذا مما يميّز الأحاجي السودانية ويضيف عنصر التشويق لها، ففي كل مرة يعتقد القارئ / السامع أن البطل قد اجتاز الاختبار يظهر اختبارٌ آخر جديد، ويستمر الأمر على هذه الوتيرة، ليصل عدد الاختبارات إلى أكثر من سبعة أو ثمانية اختبارات متواترة، كما في أحجية “يا حمام يا دمام” وأحجية “لولي ويا لولي”، حتى إذا ظنّ القارئ/ السامع أنّ البطل قد استنفد جميع حيله ومحاولاته، يظهر الحل، بسيطًا وخارجًا عن المألوف.

حدد جوزيف كامبل اثني عشر مرحلة يمر بها البطل، ابتداءً من خروجه من العالم الاعتيادي وانتهاءً بعودته بالإكسير إلى عالمه الاعتيادي، يمكن القول أن البطل في الأحاجي السودانية يمر بنصف عدد هذه المراحل مقارنة بأبطال “جوزيف كامبل” ومراحل رحلتهم، إذ يخرج بطل الأحاجي السودانية من عالمه الاعتيادي ليواجه مباشرة الاختبارات والحلفاء والأعداء، يخضع إلى الاختبار الأقصى، يستولي على المكافأة، يخضع للملاحقة في طريق العودة، ثم يعود بالإكسير، الكنز، أو النعم التي سيستفيد منها في عالمه الاعتيادي.

تُكثف الاختبارات التي يواجهها بطل الأحاجي السودانية، اختبارات متواترة، سريعة، غير متوقعة، لتُشكل هذه الاختبارات الأساس الذي تُبنى عليه القصة، وبالعودة إلى تعريف الأحاجي كحكايات تحكيها الجدات للأطفال، لا أجد بناءً لرحلة أبطالها أكثر مناسبة من هذا البناء الذي اعتمدته، بناء يستولي على انتباه الأطفال بإيقاعه السريع ويُغذي مخيلتهم، وكما كانت تقول الحبوبات نهاية كل أحجية:

“وانحترت وانبترت في جحر الصغير فينا!”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *