بواسطة: رؤى ياسر
تُعرّف كلمة (لغة) في المعاجم العربية بأنها أصواتٌ يُعبّر بها كل قومٍ عن أغراضهم، التعريف الذي يختزل دور اللغة في الوساطة التعبيرية للتواصل، وهو اختزالٌ مُجحف في حق اللغة.
اللغات على اختلافها كانت ولا تزال المرآة الأكثر واقعية لثقافة وحضارة الشعوب، يورد غاي دويتشر في كتابه عبر منظار اللغة نماذج عديدة لثقافات شعوب مختلفة والتأثير المتبادل للثقافة على اللغة وللغة على الثقافة، ويذهب دويتشر في كتابه لأبعد من ذلك حيث يتناول الكيفية التي تؤثر بها اللغة على طريقة وأنماط التفكير والإدراك عند الشعوب، يقول دويتشر في الفصل الأول من كتابه “تعجز بعض اللغات عن التعبير عن أفكار معقدة لفقدانها قواعد نحوٍّ منطقية بما فيه الكفاية، بعكس الألمانية مثلًا، التي تعد وسيلة مثالية لتشكيل أعمق وأدق الأفكار الفلسفية، لكونها لغة منظمة بشكلٍ ملحوظ، تنظيمًا قد يكون السبب في كون الشعب الألماني شعبًا منظمًا فكريًا… بل تفتقر بعض اللغات إلى تصريف المستقبل فمن الطبيعي أن يعجز متحدثوها عن التفكير المستقبلي”.
الاختزال المخل لدور اللغة كأداة للتواصل يُصعّب علينا إدراك الأهمية الكبرى للغات في خلق وتكوين الثقافة والحضارة، وأنّ اللغة جزءٌ أصيل من إرثنا الحضاري والفكري إن لم تكن النوّاة التي منها انطلق منها كل هذا الإرث.
البروفيسور عبدالله الطيب – في اعتقادي – كان مدركًا لهذه الحقيقة، الأمر الذي حداه إلى التشديد على أهمية الحفاظ على اللغة العربية بشقيها الفصيح والعاميّ، فاللغة العربية الفصيحة كانت – ولا تزال – لغة القداسة والدين، فيما شكّلت اللغات الدارجة البدويّة في أصلها الثقافة العربية ابتداءً من ألف ليلة وليلة التي كُتبت بأسلوب يتوسط الفصحى والعامية مرورًا بسِيَر أبطال الملاحم أمثال عنترة وغيرهم، فاللغة الدارِجة عند البروفيسور – دون غيره من علماء اللغة – لم تكن مُعضلة أو تهديدًا للغة العربية الفصيحة، بل أشاد البروفيسور بدورها الحيوي في تشكيل الثقافة الشعبية لدى المجتمعات كونها تُعبر عن بدوية الفطرة لديهم، فتجد العامية المصرية الغنيّة بالأمثال الشعبية التي تعكس سرعة بديهة الشعب المصري، والعاميّة السودانيّة المُطعَمة بالكلمات الفصيحة تُدلل على مستوى الثقافة لدى الشعب السوداني.
في ندوة ثقافية للبروفيسور بعنوان محنة المثقف العربي أوجز البروفيسور حل الأزمة في جملة بليغة واحدة “إحلال العربية محلّها من الاحترام والتبجيل في النفوس”، جملة تُبيّن معنى اللغة عبر منظار عبدالله الطيب بصفتها مُحرّضًا لإعمال العقل وعدسة لثقافة الشعوب.
انسلاخنا عن لُغاتنا ليس مجرد ليٍّ بألسنتنا للُغة الإفرنج، وإنما هو انسلاخ عن حضارتنا وثقافتنا وأنماط تفكيرنا، فلا عجب أنّ الطفل العربي الناطق بالإنجليزية يحمل من أنماط التفكير والثقافة والمعتقدات ما تُقدمه له تلك اللغة.